Skip to main content

كلفة التمثيل السياسي في العراق

كلفة التمثيل السياسي في العراق: قراءة في الفجوة بين البرلمان ومجالس المحافظات

بقلم: حسين زين العابدين | باحث مستقل — حقوق الأقليات في العراق | husseinmonitor.com


وسط استمرار أزمة السيولة المالية التي تواجهها الدولة العراقية، وتأخر صرف رواتب موظفين في مؤسسات حكومية عدة، تتجدد بين حين وآخر التساؤلات حول كلفة المؤسسات التمثيلية، النيابية منها والمحلية، وجدوى استمرار هذا الحجم من الإنفاق عليها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

هذا التقرير يستعرض الأرقام المتداولة في تقارير صحفية ومصادر رسمية جزئية حول كلفة العضوية النيابية والمحلية، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام تتفاوت بحسب المصدر والسنة وطريقة الاحتساب، نظراً لعدم وجود نشر رسمي دوري ومفصل من الجهات المعنية.


أولاً: كلفة عضو مجلس النواب

تتفاوت التقديرات المتداولة لراتب عضو مجلس النواب العراقي بشكل ملحوظ بحسب المصدر وتاريخ التصريح. ففي تصريحات نيابية حديثة نسبياً، ذُكر أن الراتب الأساسي لعضو مجلس النواب ارتفع من نحو 7.5 مليون دينار إلى ما يزيد على 8 ملايين دينار شهرياً. في المقابل، تشير تقارير أخرى إلى أن الراتب الأساسي يرتفع إلى ما بين 10 و25 مليون دينار بعد احتساب مخصصات المنصب والمخصصات الخاصة والاستثنائية ومخصصات النقل والضيافة، بحسب المستوى الدراسي للنائب وتصريحات نواب سابقين.

كما تشير هذه التقارير إلى أن كل نائب يحصل على مخصصات لعدد من الحمايات الشخصية يصل إلى 16 فرداً، فيما يبلغ راتب رئيس مجلس النواب ونائبيه نحو 35 مليون دينار شهرياً، أسوة برئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء.

أما على مستوى الكلفة الإجمالية، فتفيد بيانات نُشرت عن موازنة مجلس النواب لعام 2021 بأن نفقات المجلس بلغت نحو 496 مليار دينار سنوياً، وهو ما يعني أن الكلفة الإجمالية لكل نائب — شاملة الرواتب والمخصصات والحمايات والكوادر الوظيفية ونفقات التشغيل — تقترب من 1.5 مليار دينار سنوياً، أي ما يقارب 125 مليون دينار شهرياً للنائب الواحد إذا وُزّع الرقم على عدد النواب البالغ 329 نائباً. هذا الرقم أعلى بكثير من رقم الراتب الأساسي وحده، لأنه يشمل كامل الجهاز الإداري والخدمي المرتبط بعمل المجلس، لا راتب النائب فقط.


ثانياً: كلفة عضو مجلس المحافظة

بالمقارنة، تشير تقديرات متداولة إلى أن راتب عضو مجلس المحافظة يبلغ نحو 2.7 مليون دينار شهرياً كراتب مقطوع شامل، أي أقل بكثير من الراتب الأساسي لعضو مجلس النواب، فضلاً عن أنه لا يشمل مخصصات حماية إضافية بالمستوى نفسه، إذ تقتصر الحماية المخصصة لعضو مجلس المحافظة عادة على عدد محدود من أفراد وزارة الداخلية دون مخصصات مالية إضافية موازية لما يحصل عليه النائب.

عدد أعضاء مجالس المحافظات (عدا إقليم كردستان) يقارب 274 عضواً، موزعين على مجالس المحافظات الخمس عشرة المتبقية بعد إعادة تفعيل هذه المجالس في الدورات الانتخابية الأخيرة.


ثالثاً: السياق السياسي الأوسع

يأتي هذا النقاش حول كلفة المؤسسات المنتخبة في وقت تشير فيه تحليلات سياسية متعددة إلى أن جزءاً كبيراً من القرارات المصيرية في العراق لا يُتخذ داخل قبة البرلمان بالضرورة، بل عبر أطر تفاوضية غير منصوص عليها دستورياً بين قادة الكتل السياسية الرئيسية، يُعرف أبرزها إعلامياً باسم «ائتلاف إدارة الدولة»، الذي يضم رئاسات الدولة الثلاث وقادة الكتل والتيارات السياسية، ويعقد اجتماعات دورية لبحث الملفات الخلافية وتوزيع المناصب.

ويرى باحثون في الشأن السياسي العراقي أن هذا النمط من إدارة الحكم عبر التوافقات والمحاصصة، وإن لم يكن منصوصاً عليه صراحة في الدستور، أصبح عرفاً سياسياً راسخاً منذ عام 2005، حوّل تشكيل الحكومات إلى عملية تفاوض بين زعماء الكتل أكثر منها تنافساً بين برامج سياسية، وهو ما يثير تساؤلات لدى مراقبين حول مدى ممارسة مجلس النواب لدوره التشريعي والرقابي الفعلي بشكل مستقل.


رابعاً: آراء متقابلة حول ترشيد الإنفاق

في ظل هذه المعطيات، برزت في الأشهر الأخيرة تحركات داخل مجلس النواب نفسه لبحث ملف رواتب الرئاسات والدرجات العليا، بهدف إعادة تنظيم سلم الأجور وتحقيق توازن أكبر مع رواتب بقية الموظفين، وذلك تزامناً مع الضغوط المالية المستمرة وتأخر صرف رواتب بعض المؤسسات الحكومية.

ويرى مؤيدو خفض الإنفاق التشريعي أن ترشيد رواتب ومخصصات النواب قد يوفر سيولة يمكن توجيهها نحو الخدمات الأساسية والرواتب المتأخرة. في المقابل، يحذر آخرون من أن أي مساس بعمل المؤسسات التشريعية، ولو بشكل جزئي أو مؤقت، قد يُضعف آليات الرقابة المتبقية على السلطة التنفيذية والموازنة العامة، خصوصاً في ظل غياب بدائل مؤسسية واضحة لضمان الشفافية والمحاسبة.


خاتمة

تبقى الفجوة بين كلفة العضوية النيابية والمحلية في العراق موضوعاً يستحق متابعة رسمية أدق وأكثر شفافية، بعيداً عن التقديرات المتضاربة المتداولة إعلامياً.

ويبقى السؤال الأهم مطروحاً أمام الرأي العام: هل الحل يكمن في تقليص حجم وكلفة المؤسسات التمثيلية، أم في إصلاح آليات عملها وربطها فعلياً بدورها الدستوري في التشريع والرقابة، بدل أن تتحول إلى عبء مالي إضافي على دولة تعاني أصلاً من شح السيولة؟


المصادر:

  • شفق نيوز — «بعض المسؤولين الحكوميين يتقاضون أعلى منه.. كشف تفاصيل راتب البرلماني العراقي»
  • وكالة الساعة — تصريحات النائب منصور المرعيد حول راتب عضو مجلس النواب
  • جمار — «تكاليف النواب المليارية: كيف ارتفع سعر النائب على العراقيين بنسبة 50 بالمئة؟» — شباط 2025
  • الجزيرة نت — «استياء في العراق من احتمال رفع رواتب النواب» — آب 2024
  • وكالة الصحافة المستقلة — «رواتب الرئاسات على طاولة البرلمان.. تحرك لخفض الأجور»
  • مجلس النواب العراقي — الدائرة المالية، آلية صرف استحقاقات الأعضاء

Hussein Monitor

INDEPENDENT RESEARCH & ANALYSIS

منصة تنشر بحوثاً ميدانية معمّقة حول حقوق الأقليات في العراق، والمساءلة بعد داعش، والكلفة الإنسانية للإفلات من العقاب. بقلم حسين زين العابدين — ضابط ارتباط سابق في بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق وباحث مستقل.

→ زيارة حسين مونيتور الاشتراك عبر سبستاك

Comments

Popular posts from this blog

Kirkuk's First Turkmen Governor in a Century

Kirkuk's First Turkmen Governor in a Century: A Historic Shift, a Fragile Agreement, and an Unfinished Reckoning On April 16, 2026, the Kirkuk Provincial Council voted to elect Mohammed Samaan Agha — president of the Iraqi Turkmen Front — as the new governor of Kirkuk. In doing so, it made him the first Turkmen official to hold that position in over a century. The vote was quiet. The significance was not. A Hundred Years of Absence The Turkmen claim to Kirkuk is not rhetorical. It is rooted in centuries of continuous presence — as administrators, merchants, soldiers, and residents — in a city that served as the administrative and cultural center of a predominantly Turkic-speaking belt stretching from Tal Afar in the northwest to Kifri in the southeast. That presence was disrupted not once but repeatedly. The redrawing of the region under the British Mandate after World War I removed Kirkuk from the emerging Turkish national state and placed it...

5,000 ISIS Detainees Moved from Syria to Iraq: Justice or a Legal Black Hole?

5,000 ISIS Detainees Moved from Syria to Iraq: Justice or a Legal Black Hole? In early 2026, the United States transferred more than 5,000 ISIS-linked detainees from Syrian prisons to Iraqi custody — including senior leaders accused of genocide and chemical weapons use. Human rights organizations immediately raised the alarm. This is not a justice process. It may be the opposite. What Happened In January 2026, following security concerns around Syrian detention facilities previously managed by the Syrian Democratic Forces (SDF), the United States military began transferring ISIS detainees to Iraqi custody. By February 2026, Iraqi authorities confirmed that more than 5,000 detainees from 60 nationalities had been transferred — including more than 3,000 Syrian nationals. The detainees are being held in high-security facilities in Baghdad, including the Nasiriyah and Karkh prisons. Iraqi interrogators have begun processing them. The Iraqi Ministry of Interior described the...

UNITAD Is Gone — What Happens to the Evidence, the Witnesses, and the Hope for Justice?

UNITAD Is Gone — What Happens to the Evidence, the Witnesses, and the Hope for Justice? In September 2024, the UN Investigative Team for Accountability of Da'esh (UNITAD) closed its doors after six years of work in Iraq. It left behind 68 excavated mass grave sites, mountains of evidence — and thousands of witnesses now facing uncertainty about their safety and the future of justice. What Was UNITAD? Established by UN Security Council Resolution 2379 in 2017 at Iraq's request, UNITAD was mandated to collect, preserve, and store evidence of ISIS crimes that might constitute war crimes, crimes against humanity, or genocide. Over six years, the team: Identified 160 ISIS individuals who can be held criminally accountable Excavated 68 mass grave sites across Iraq Delivered 55 forensic reports to Iraqi authorities Documented crimes against Yazidis, Turkmen, Christians, Shabaks, and other communities Why Did UNITAD Close? The mandate ended not because the w...